الأسواق في حالة ترقب: هل تنجح استراتيجية الانتظار والترقب في ظل التوترات الجيوسياسية؟
هدوء نسبي يسبق عاصفة محتملة
تدخل الأسواق المالية اليوم مرحلة من الانتظار والترقب، آخذة قسطاً من الراحة بعد التحركات الكبيرة التي شهدها قطاع الطاقة على مدار الأسبوعين الماضيين. لوحظ تراجع طفيف في عوائد السندات ببضع نقاط أساسية، بينما تراجعت العملة الخضراء قليلاً عن مستوياتها المرتفعة الأخيرة، وتمكنت أسواق الأسهم من تفادي المزيد من الانخفاضات.
يبقى السؤال مطروحاً حول التفسير الدقيق لهذه الحالة. هل هي آمال متجددة لدى المستثمرين بإمكانية التوصل إلى حل يضمن مرور الطاقة عبر مضيق هرمز في المستقبل القريب؟ يبدو هذا الاحتمال غير مؤكد تماماً. الدعوة التي وجهها الرئيس الأمريكي ترامب لدول مثل الصين وحلفاء الناتو للانضمام إلى الجهود الأمريكية للحفاظ على حرية الملاحة في المضيق، لم تلقَ سوى استجابة محدودة. كما أن التصريحات السياسية الأخرى التي صدرت خلال عطلة نهاية الأسبوع لم تشر إلى أي تراجع كبير في حدة التوترات.
من المرجح أن تكون تحركات اليوم مجرد انعكاس لوجهة نظر المستثمرين وهم يتأملون ما تم تسعيره بالفعل في الأسواق، متخذين نهجاً أكثر حيادية. هذا التفسير قد ينطبق بشكل خاص على أسواق أسعار الفائدة، خاصة وأن كلاً من الاحتياطي الفيدرالي (Fed)، والبنك المركزي الأوروبي (ECB)، وبنك إنجلترا (BoE)، وبنك اليابان (BoJ)، بالإضافة إلى عدة بنوك مركزية أخرى، تستعد لاتخاذ قرارات بشأن السياسة النقدية في وقت لاحق من هذا الأسبوع.
توقعات السياسة النقدية تحت المجهر
بالنسبة للبنوك المركزية التي لا تزال في طور تطبيع سياساتها نحو مستوى أكثر حيادية، مثل الاحتياطي الفيدرالي وبنك إنجلترا، فقد تراجعت توقعات خفض أسعار الفائدة بشكل حاد. بالنسبة للاحتياطي الفيدرالي وحده، لا يزال السوق يراهن على خطوة خفض واحدة تبلغ 25 نقطة أساس بحلول نهاية العام، مقارنة بتوقعات سابقة تشير إلى خطوتين أو أكثر قبل اندلاع الصراع الأخير. أما بالنسبة لبنك إنجلترا، فإن توقعات خفضين بقيمة 25 نقطة أساس بحلول نهاية فبراير قد تحولت الآن إلى مجرد تكهنات بأن بنك إنجلترا قد يضطر إلى رفع أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام.
يتشابه السرد بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي، حيث تحولت التوقعات من احتمال خفض سعر الفائدة بنسبة 50% في النصف الثاني من العام قبل الصراع، إلى تسعير أكثر من رفع واحد بحلول النصف الثاني من عام 2026. على صعيد عوائد السندات طويلة الأجل في الولايات المتحدة وأوروبا، فقد اختبرت مستويات رئيسية يوم الجمعة الماضي. فقد اقترب عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات من أعلى مستوى له في العام عند 4.30%، بينما اختبر عائد مبادلة السندات الألمانية لأجل 10 سنوات مستوى 3%، وهو الأعلى منذ نوفمبر 2023. بل إن عائدات السندات الألمانية لأجل 10 و 30 عاماً اختبرت أو اقتربت بشكل كبير من أعلى مستوياتها منذ عام 2011 !!.
قد تستمر هذه المعركة في التصاعد في حال ظهور المزيد من المؤشرات على استمرار الصراع لفترة أطول، مع تزايد مخاطر حدوث موجة ثانية من التضخم. اليوم، تشهد عوائد السندات الأمريكية انخفاضاً يتراوح بين 3 نقاط أساس (لعائد السنتين) و 5 نقاط أساس (لعائد 10 سنوات). وتصحح العوائد الألمانية ما بين 5 نقاط أساس (لعائد السنتين) و 3 نقاط أساس (لعائد 30 سنة). وتنخفض العوائد البريطانية بواقع 6-7 نقاط أساس على كامل منحنى العائد. على الرغم من تحركات اليوم، ستراقب الأسواق عن كثب حسم البنوك المركزية والتزاماتها لتجنب سيناريو مشابه لما حدث في عام 2022.
نظرة على الأسواق الأخرى والمؤشرات الاقتصادية
في أسواق أخرى، تراجعت أسعار النفط عن ذروتها خلال اليوم، لكن خام Brent لا يزال يحوم بالقرب من مستوى 100 دولار للبرميل. تحاول أسواق الأسهم في الولايات المتحدة وأوروبا كسر دوامة الانخفاض التي شهدتها الأسبوع الماضي، حيث ارتفع مؤشر Eurostoxx 50 بنسبة 0.85%، وارتفع مؤشر S&P 500 بنسبة 1.25%. ومع ذلك، لا يزال من المبكر جداً استخلاص أي استنتاجات، حتى من وجهة نظر فنية.
يشهد مؤشر الدولار (DXY) استراحة، مع اقتراب مستويات مقاومة مهمة. سجل المؤشر صباح اليوم 99.85 نقطة، مختبراً منطقة 100.5، وهي أعلى مستويات مايو من العام الماضي وأعلى نطاق تداول جانبي متوسط الأجل. حافظ زوج USD/JPY على مستوياته بالقرب من 159 بعد تسجيله أعلى مستوى جديد للعام في يوم الجمعة، مع بقاء مستوى 160 الرئيسي ضمن المتناول. يتعافى زوج EUR/USD (1.149) من منطقة 1.1411، مع بقاء أدنى مستوى لشهر أغسطس عند 1.1392 كمرجع فني رئيسي.
آفاق الاقتصاد الكندي وبيانات التضخم
أظهرت بيانات التضخم الكندي لشهر فبراير ارتفاعاً شهرياً بنسبة 0.5%، وهو وتيرة أبطأ من المتوقع (+0.7%). انخفض التضخم السنوي من 2.3% إلى 1.8%، وهو ما يقل عن هدف التضخم البالغ 2% الذي حدده بنك كندا، وذلك لأول مرة منذ أغسطس من العام الماضي. لعبت التأثيرات الأساسية دوراً في ذلك بسبب انتهاء فترة تخفيضات ضريبة المبيعات المنسقة على السلع والخدمات في منتصف فبراير من العام الماضي.
ساهم اعتدال أسعار البنزين في تباطؤ مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) على أساس سنوي (-14.2% مقابل -16.7% في يناير). شكلت الزيادة الشهرية بنسبة 3.6% في أسعار البنزين بالفعل نتيجة لارتفاع أسعار النفط الخام في الفترة التي سبقت الصراع في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى اضطرابات إمدادات النفط في بعض الدول المنتجة.
ظلت مقاييس التضخم الأساسي، بما في ذلك المتوسط المرجح لبنك كندا، ثابتة فوق مستوى 2% (2.3% سنويًا من 2.4%). ارتفعت أسعار السلع بنسبة 0.5% شهرياً لتسجل زيادة سنوية بنسبة 0.5%، بينما ارتفعت أسعار الخدمات بنسبة 0.6% شهرياً و 2.7% سنوياً. تبدو الأسواق الكندية غير متأثرة إلى حد ما بهذه الأرقام، وتتبع التحركات العالمية اليوم.
رؤى من بنك التسويات الدولية
أصدر بنك التسويات الدولية (BIS) مراجعته الفصلية، التي تركز على إعادة معايرة الأسواق في ظل التيارات المتغيرة. ارتفعت توقعات التضخم بشكل طفيف، مما دفع المستثمرين إلى تعديل توقعاتهم بشأن أسعار الفائدة إلى الأعلى وتأجيل التوقيت المتوقع لخفض أسعار الفائدة الأمريكية.
حذر هيون سونغ شين، رئيس إدارة السياسات النقدية والاقتصاد في بنك التسويات الدولية، قائلاً: "إذا استمر الصراع أو اتسع نطاقه بما يتجاوز التوقعات الحالية، فقد يؤدي ذلك إلى تعديلات أكثر حدة في توقعات التضخم والظروف المالية. قد يضع الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة ضغوطاً على تقييمات الأصول المرتفعة، كما أن ارتفاع التكاليف المالية للحكومات والحاجة إلى إصدار المزيد من الديون يمكن أن يقوض الاستدامة المالية."
تتبع الأسواق في الوقت الفعلي
عزز قراراتك الاستثمارية بتحليلات الذكاء الاصطناعي والبيانات الفورية.
انضم إلى قناتنا على تيليجرام
احصل على أخبار السوق العاجلة وتحليلات الذكاء الاصطناعي وإشارات التداول فوراً عبر تيليجرام.
انضم للقناة