شركات النفط الكبرى تراهن بهدوء على ليبيا مجددًا.. لماذا؟
ليبيا: ملاذ استثماري نفطي غير متوقع
في تطور جيوسياسي لافت، تبرز ليبيا كوجهة استثمارية جذابة لشركات النفط العالمية، وذلك في وقت تواجه فيه دول نفطية تقليدية في الشرق الأوسط حالة من عدم اليقين. هذه الثقة المتجددة لدى المستثمرين تأتي على الرغم من الاضطرابات المحلية، مثل الحريق الأخير في حقل شرارة النفطي، والذي يُعد تذكيرًا صارخًا بالتحديات الفصائلية المستمرة في البلاد. ومع ذلك، فإن الدافع الاستراتيجي للدول الغربية لتنويع إمدادات الطاقة، والذي تعزز بشكل كبير بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في أوائل عام 2022، قد أعاد تشكيل المشهد بشكل جذري.
يُعد طموح ليبيا لزيادة إنتاجها من النفط الخام إلى 2 مليون برميل يوميًا بحلول عام 2028 محركًا رئيسيًا لهذا الاهتمام. ويُدعم هذا الهدف بخطط لطرح 22 منطقة امتياز جديدة للغاز والنفط، سواء في المياه العميقة أو على اليابسة، مما يشير إلى جهود متضافرة لجذب رؤوس الأموال والخبرات الأجنبية. وتشير التطورات الأخيرة بقوة إلى أن هذه المبادرات تكتسب زخمًا، مع اكتشافات جديدة هامة واستئناف مشاريع متعثرة، مما يؤكد تحولًا ملموسًا في المشهد.
توسع شركات الطاقة الأوروبية في ليبيا
تتصدر شركة الطاقة الإيطالية العملاقة، إيني (Eni)، طليعة هذا الانتعاش. فقد كشفت الشركة مؤخرًا عن اكتشافات كبيرة للغاز في المياه العميقة قبالة سواحلها، بالقرب من حقل بحر السلام، أكبر منتجي الغاز البحري في ليبيا. وتشير التقديرات الأولية للهيكلين المكتشفين حديثًا، وهما بحر السلام جنوب 2 وبحر السلام جنوب 3، إلى احتياطيات تتجاوز تريليون قدم مكعب من الغاز. تقع هذه الاكتشافات استراتيجيًا على بعد 16 كيلومترًا فقط جنوب المنشآت الحالية، مما يمهد الطريق للتطوير السريع عبر الربط، وبالتالي دعم احتياجات ليبيا المحلية من الطاقة وعائدات التصدير القيمة إلى إيطاليا.
يمثل هذا الالتزام بالاستكشاف في المياه العميقة إشارة قوية على قناعة الشركات الغربية طويلة الأجل بمستقبل ليبيا. مثل هذه المشاريع كثيفة رأس المال، والتي تتطلب ضمانات أمنية كبيرة، لا تتم بخفة. إنها تعكس الاعتقاد بأن ليبيا تدخل عصرًا أكثر استقرارًا ويميل نحو الغرب. يمتد انخراط إيني أيضًا ليشمل بدء أول بئر استكشاف في المياه العميقة منذ ما يقرب من عقدين في حوض سرت، وهي منطقة غنية بموارد الطاقة.
استكشاف تعاوني في حوض سرت
يركز هذا العمل الاستكشافي، الذي يستهدف منطقة ماتسولا في منطقة العقد 38/3، على تعاون تشغيلي مهم بين إيني وشركة بي بي (BP) البريطانية. ومن المتوقع أن تقوم مشروعهما المشترك، حيث تمتلك كل منهما حصة 42.5% وتمتلك المؤسسة الليبية للاستثمار النسبة المتبقية 15%، بحفر 16 بئرًا إضافية في مناطق برية وبحرية. وقد أشارت بي بي أيضًا إلى نواياها من خلال استكشاف خيارات لإعادة تطوير حقلي سارير ومسلة البريين الضخمين وتقييم إمكانات الموارد غير التقليدية.
أكد ويليام لين، نائب الرئيس التنفيذي للغاز والطاقة منخفضة الكربون في بي بي، على أهمية الاتفاق، قائلاً إنه "يعكس اهتمامنا القوي بتعميق شراكتنا مع المؤسسة الوطنية الليبية للنفط ودعم مستقبل قطاع الطاقة الليبي". وينعكس هذا الشعور في شركة توتال إنرجيز الفرنسية، التي استأنفت مؤخرًا الإنتاج في حقل مابروك النفطي، وهو موقع كان خامدًا منذ عام 2015. تمتلك توتال إنرجيز حصة 37.5% في الحقل.
استئناف الإنتاج وتحديث البنية التحتية
أبرز جوليان بوجيه، مدير الاستكشاف والإنتاج في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في توتال إنرجيز، استئناف الإنتاج كدليل على "التزامنا طويل الأمد في ليبيا". يتوافق إنتاج النفط منخفض التكلفة ومنخفض الانبعاثات في حقل مابروك مع أهداف النمو الاستراتيجي للشركة. كما التزمت توتال إنرجيز بزيادة الإنتاج من حقول ليبية رئيسية أخرى، بما في ذلك واحة، وشرارة، والجرف، ومابروك، بما لا يقل عن 175,000 برميل يوميًا. علاوة على ذلك، تعطي الشركة الأولوية لتطوير حقلي شمال جالو و NC-98 في امتياز الواحة، واللذين يمتلكان قدرة تقديرية مجمعة لا تقل عن 350,000 برميل يوميًا.
وبعيدًا عن الإنتاج الأولي، فإن تطوير البنية التحتية قيد الإعداد أيضًا. تم التعاقد مع شركة KBR الأمريكية لإدارة وتقديم الخدمات الفنية لمشروع مصفاة الجنوب في أوباري، مما يشير إلى التزام أوسع بتعزيز قدرات التكرير في ليبيا.
تأثيرات على السوق: فرص وتحديات
يشير الاهتمام المتجدد من قبل كبرى شركات الطاقة بليبيا، على الرغم من المخاطر السياسية الكامنة، إلى ديناميكيات سوق الطاقة العالمي الحالية. فقد خلقت الحاجة الملحة لتنويع الإمدادات بعيدًا عن روسيا نافذة فريدة لدول مثل ليبيا لإعادة دخول الأضواء الدولية. وفي حين أن الطاقة الإنتاجية التاريخية للبلاد، والتي بلغت 1.65 مليون برميل يوميًا قبل عام 2011 وتمتلك أكبر احتياطيات نفط خام في أفريقيا بواقع 48 مليار برميل، لا تزال تمثل عامل جذب كبير، إلا أن المسار المستقبلي يعتمد على حل قضايا توزيع الإيرادات المتجذرة. يمثل عدم إحراز تقدم بشأن لجنة فنية مشتركة للإشراف على عائدات النفط، والتي تم اقتراحها لأول مرة في اتفاق سلام عام 2020، تحديًا حاسمًا لم يتم حله. وبدون إطار واضح لتوزيع الموارد بشكل عادل، يظل الاستقرار طويل الأجل المطلوب للاستثمار الأجنبي المستدام غير مؤكد. قد يؤثر الوجود المتزايد للشركات الغربية بشكل إيجابي على هذه المفاوضات السياسية، ولكن حتى يتم التوصل إلى حل ملموس، سيستمر قطاع الطاقة الليبي، وبالتالي اقتصاده، في العمل تحت وطأة عدم الاستقرار المحتمل.
تتبع الأسواق في الوقت الفعلي
عزز قراراتك الاستثمارية بتحليلات الذكاء الاصطناعي والبيانات الفورية.
انضم إلى قناتنا على تيليجرام
احصل على أخبار السوق العاجلة وتحليلات الذكاء الاصطناعي وإشارات التداول فوراً عبر تيليجرام.
انضم للقناة
