حرب إيران تضرب أسعار النفط عالمياً: ما هي تحركات الحكومات لاحتواء الأزمة؟
سباق عالمي لكبح جماح أسعار النفط
تجد الحكومات حول العالم نفسها في سباق محموم لكبح جماح أسعار النفط المتصاعدة، وذلك عقب اضطراب كبير في الإمدادات العالمية، حيث فقدت الأسواق ما يقارب خُمس المعروض جراء الحرب الدائرة في إيران. في هذا السياق، برزت عدة تحركات جادة لاحتواء الأزمة، كان أبرزها دعوة الوكالة الدولية للطاقة، وهي تكتل يضم 32 دولة تنسق السياسات الطاقوية والاستعدادات للطوارئ، إلى اجتماع طارئ. هدف الاجتماع كان بحث إمكانية الإفراج عن الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية بهدف تخفيف الضغوط السعرية.
وقد توصلت الدول الأعضاء إلى اتفاق للإفراج عن 400 مليون برميل من الاحتياطيات المخزنة في كهوف تحت الأرض وخزانات فوق الأرض. يُعد هذا أكبر إفراج من نوعه في تاريخ الاحتياطيات الاستراتيجية. ورغم أهمية هذه الخطوة، إلا أن الإمدادات المتاحة من الخليج العربي قد تراجعت بنحو 20 مليون برميل يومياً بسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز، الممر المائي الضيق الذي يربط الخليج بالبحار المفتوحة. هذه الكمية المحررة لا تغطي سوى 20 يوماً من الاستهلاك العالمي.
علاوة على ذلك، من المستبعد أن يتمكن العالم من الوصول إلى كامل الكميات المفقودة يومياً، نظراً للقيود المفروضة على سرعة الوصول إلى هذه الاحتياطيات. ولعل هذا يفسر الارتفاع الذي شهدته أسعار النفط فعلياً بعد الإعلان عن هذه الإجراءات. بالطبع، لا يمكن إغفال أن إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران كان بمثابة التلاعب الأولي بأسعار النفط العالمية، حيث توعدت طهران بدفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 دولار للبرميل.
استراتيجيات متعددة للتعامل مع النقص
في مواجهة هذه التحديات، لجأت بعض الدول إلى تطبيق سياسات متنوعة مثل تحديد سقف للأسعار، وفرض نظام الحصص، وتقليص أسبوع العمل. تهدف هذه الإجراءات إلى التعامل مع نقص إمدادات المنتجات النفطية كالبنزين والديزل، وحماية المستهلكين من الارتفاعات الحادة في التكاليف.
من جانبها، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن احتمالية تدخلها في سوق العقود الآجلة للنفط لكبح جماح المضاربات. ومع ذلك، أبدى المشاركون في سوق النفط شكوكاً حول مدى فعالية هذا التدخل، حيث يعتمد سوق العقود الآجلة في نهاية المطاف على قوى العرض والطلب الفعليتين. تظل عقود النفط الآجلة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالسوق المادية، حيث تتطلب تسليم النفط الخام ما لم يتم إغلاقها قبل تاريخ التسليم المحدد.
لم يلقَ اقتراح وزارة الخزانة الأمريكية استحساناً لدى رؤساء البورصات الرئيسية للعقود الآجلة والأسهم، الذين يرون أن أي تدخل حكومي للتلاعب بأسعار النفط الآجلة يعتبر أمراً غير قانوني للأفراد. علاوة على ذلك، تُعد البورصات العامة منصات لاكتشاف الأسعار، وتساءل هؤلاء عن كيفية توقع العملاء اكتشاف السعر الحقيقي للنفط إذا تدخلت الحكومة الأمريكية. يرون أن هذا التدخل من شأنه تقويض مصداقية بورصات العقود الآجلة ودفع العملاء للبحث عن بدائل أخرى للتحوط من مخاطرهم.
بالإضافة إلى ذلك، برزت استراتيجية أخرى تتمثل في ما يُعرف بـ "الإقناع اللفظي" أو "Jawboning". فبعد أن وصل سعر النفط إلى حوالي 120 دولاراً للبرميل في 8 مارس، عقد الرئيس الأمريكي مؤتمراً صحفياً في اليوم التالي أشار فيه إلى أن الحرب مع إيران قد تنتهي "قريباً جداً"، مما أدى إلى انخفاض حاد في سعر النفط. ولاحقاً، نشر وزير الطاقة الأمريكي تغريدة تفيد بأن البحرية الأمريكية نجحت في مرافقة ناقلة نفط عبر مضيق هرمز لضمان استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية. تسبب هذا المنشور، الذي تبين لاحقاً أنه غير صحيح وتم حذفه بسرعة، في انخفاض سعر النفط بنسبة 19% إضافية. ورغم تعافي السوق لاحقاً، فقد أغلق اليوم بانخفاض 12%.
يثير هذا الحادث تساؤلات حول ما إذا كان محاولة أخرى لخفض الأسعار عبر الإقناع اللفظي، أم أنه كان مخططاً من قبل مسؤولين نافذين للربح من تحرك أحدثوه بأنفسهم. معظم وسائل الإعلام صورت الأمر على أنه مجرد خطأ، متجاهلةً إمكانية كونه إجراءً متعمداً. وقد تعهد وزير الطاقة بالتحقيق في الأمر، لكن الشكوك تحوم حول إمكانية ظهور نتائج لهذا التحقيق.
التشديد على روسيا وتداعياته على السوق
تتضمن التحركات الأخرى تقديم الولايات المتحدة إعفاءات مؤقتة للدول الراغبة في شراء النفط من روسيا، رغم العقوبات المفروضة على موسكو بعد غزو أوكرانيا. تهدف هذه العقوبات، التي تشمل تحديد سقف للأسعار وحظر التأمين للسفن المخالفة وتجميد أصول شركات النفط الروسية، إلى تقليل عائدات روسيا من صادرات النفط مع عدم حرمان السوق العالمية من إمداداتها. ومع ذلك، نجحت روسيا في التحايل على العقوبات باستخدام أسطولها "الظلي"، وواصلت بيع الكثير من نفطها إلى الصين والهند اللتين لم توافقا على العقوبات.
تُعد هذه الإعفاءات مجرد تكتيك آخر للإقناع اللفظي لخفض أسعار النفط. فهي لن تحدث فرقاً كبيراً في المعروض المتاح، بل تسمح لشركات النفط الروسية ببيع نفطها بأسعار السوق الفعلية التي تتجاوز بكثير السقف المحدد بـ 60 دولاراً للبرميل، وحتى الزيادات الإضافية التي كانت روسيا تمنحها لمن يتحايل على العقوبات. وفي نهاية المطاف، فإن أسرع طريقة لخفض أسعار النفط ستكون إنهاء الحرب مع إيران، الأمر الذي يتطلب تلبية مطالبها، بما في ذلك برنامجها النووي وقدراتها العسكرية. ومع رفض الولايات المتحدة وإسرائيل لهذه المطالب، واستمرار إمدادات إيران من الطائرات المسيرة والصواريخ، يبدو أن الحرب ستستمر، مما يعني استمرار النقص الحاد في المعروض النفطي العالمي.
تتبع الأسواق في الوقت الفعلي
عزز قراراتك الاستثمارية بتحليلات الذكاء الاصطناعي والبيانات الفورية.
انضم إلى قناتنا على تيليجرام
احصل على أخبار السوق العاجلة وتحليلات الذكاء الاصطناعي وإشارات التداول فوراً عبر تيليجرام.
انضم للقناة