سياسة صفر انبعاثات في بريطانيا تخنق صناعة الكيماويات ببطء
شيك بقيمة 350 مليون جنيه يفضح أزمة أكبر منه بكثير
حين تكتب حكومة شيكًا بقيمة 350 مليون جنيه إسترليني، نادرًا ما يكون الأمر مجرد كرم. إنه اعتراف. الصندوق الذي أُعلن عنه حديثًا لمرونة الكيماويات الحرجة، والذي كشفته وزيرة الخزانة راشيل ريفز، هو بالضبط من هذا النوع: لفتة محمودة تقرّ بهدوء بحقيقة غير مريحة. صناعة الكيماويات البريطانية تترنح، والتصنيع كثيف الاستهلاك للطاقة في مختلف أنحاء البلاد يفقد توازنه.
خُصص كذلك مبلغ إضافي قدره 120 مليون جنيه لقطاع السيراميك المتعثر، في محاولة لمنح صناعة أخرى متهالكة فسحة للتنفس. خطوات جاءت في وقتها، نعم. لكنها وحدها أبعد ما تكون عن الكفاية.
والسبب أعمق مما يدركه كثيرون. الكيماويات ليست صناعة واحدة بين صناعات كثيرة، بل هي الأرضية التي يقف عليها بقية الاقتصاد. الأمونيا تغذّي إنتاج الأسمدة، والإيثيلين يكمن تحت البلاستيك والأدوية. انزع المواد الكيميائية الأساسية وستختفي معها آلاف المنتجات اليومية، لترتد الصدمة على الزراعة والرعاية الصحية والطاقة والتصنيع المتقدم في آن واحد.
الرقم الحقيقي ليس 350 مليونًا بل 3.5 مليار
هنا الرقم الذي تتجاهله العناوين. لتحصين قدرة بريطانيا في مجال الكيماويات للعقدين المقبلين فعليًا، فإن حجم الاستثمار المطلوب أقرب إلى 3.5 مليار جنيه، أي نحو عشرة أضعاف الصندوق المُعلن. وهذا المال لن يخرج من خزانة الدولة، بل لا بد أن يأتي من رأس المال الخاص.
ورأس المال الخاص سيظل واقفًا على الهامش بثبات طالما بقيت قاعدة التكلفة البريطانية غير تنافسية هيكليًا. المشكلة الجوهرية ليست غامضة ولا ملتبسة: المنتجون الكيميائيون في بريطانيا يدفعون بعضًا من أعلى أسعار الطاقة الصناعية على هذا الكوكب. وبالنسبة لقطاع يقوم تصنيع الأمونيا والإيثيلين فيه على استهلاك ضخم للطاقة بطبيعته، فهذا ليس عائقًا بسيطًا. إنه تهديد وجودي.
متى تجاوزت تكاليف الطاقة بكثير ما يدفعه المنافسون في الخارج، يفقد الإنتاج جدواه الاقتصادية، فتنقل الشركات مصانعها إلى الخارج ببساطة.
هذا النزف البطيء للإنتاج المحلي يترك بريطانيا تتكئ أكثر فأكثر على الواردات في المواد الحرجة. تصبح سلاسل التوريد هشّة، ويتعمق التعرّض للصدمات الجيوسياسية، وتتآكل الأمن الاقتصادي. والاضطراب الراهن في منطقة الخليج يسرّع هذا الضعف تحديدًا.
مفارقة صفر الانبعاثات التي يتجنب الجميع نقاشها
جزء كبير من فجوة التكلفة في الطاقة البريطانية صناعة ذاتية، وُلدت من رحم السياسة الداخلية. وهنا تكمن السخرية المرّة. تكاليف الطاقة المرتفعة، المدفوعة إلى حد بعيد بجهود إزالة الكربون، تعاقب الأسر والصناعة معًا، بينما البصمة الكربونية لما تستهلكه بريطانيا فعليًا في ارتفاع.
طريقة الحساب هي الجاني الخفي. تقيس المملكة المتحدة الانبعاثات وفق المعايير العالمية، لكن تلك المعايير لا تحتسب سوى الانبعاثات الإقليمية، أي الكربون الناتج عن السلع المصنوعة على الأرض المحلية. تتجاهل الشحن الدولي والطيران، وهما مصدران ثقيلان للانبعاثات. والأهم أنها تستثني الواردات، التي تواصل التسلق بالضبط لأن التصنيع المحلي يواصل الانكماش.
هكذا يبني صانعو السياسات استراتيجيتهم الاقتصادية والطاقية والمناخية على بيانات جزئية ومضللة على نحو متزايد عن أثر بريطانيا الحقيقي عالميًا. النتيجة؟ الصناعة عاجزة عن الاستثمار، والمستهلكون يدفعون أكثر، والمناخ لا يجني فائدة تُذكر.
الانتقال نحو صفر انبعاثات ضروري ومرغوب، لكن المسار الحالي معيب في عمقه. ما تحتاجه بريطانيا هو طريق جديد يخفض التكاليف على المستهلكين والصناعة، مع الاستمرار في خفض الانبعاثات. مراجعة مستقلة قائمة على الأدلة باتت مسألة عاجلة. وبدونها، تخاطر البلاد بنزيف الطاقة الإنتاجية والخبرة والقيمة الاقتصادية عبر قطاع الكيماويات والقاعدة الصناعية الأوسع التي تسند الحياة اليومية.
ما الذي يراقبه المال الذكي
بالنسبة للمستثمرين، الإشارة هنا أعمق من إعلان تمويلي واحد. قاعدة تكلفة طاقة مرتفعة هيكليًا تلتهم هوامش أي صناعة ثقيلة، ورأس المال يميل إلى التدفق نحو الولايات القضائية حيث تنجح اقتصادات الإنتاج فعلًا. تشير بيانات السوق إلى أن هذا الموضوع يتشابك عبر أكثر من أصل واحد:
- الجنيه الإسترليني (GBP): قاعدة صناعية تضعف واعتماد متزايد على الواردات قد يضغطان على الميزان التجاري، وهو عامل سلبي بطيء الاحتراق على معنويات العملة البريطانية.
- أسعار الغاز الطبيعي والطاقة: تكاليف الكهرباء في المملكة المتحدة تتتبع أسعار الغاز بالجملة عن كثب، لذا تنعكس ديناميكيات الغاز الأوروبية ومخاطر إمدادات الخليج مباشرة على هوامش المصنّعين.
- أسهم الكيماويات والأسمدة: الشركات ذات الإنتاج المتركز في بريطانيا تواجه رياح تكلفة معاكسة، بينما يكسب نظراؤها في مناطق الطاقة الأرخص تنافسية نسبية.
- توقعات التضخم: الاعتماد الأكبر على المواد الحرجة المستوردة يرفع التعرض لصدمات الإمداد، وهو عامل قد يبقي التضخم الأساسي عنيدًا.
الفرصة أمام المتداولين الأذكياء تكمن في التباعد. ما دامت الفجوة في السياسات بلا حل، يمكن توقّع اتساع الفارق بين الصناعات المرتبطة ببريطانيا ونظيراتها الدولية الأقل تكلفة. أما المحفّز الذي يستحق المتابعة فهو أي إشارة إلى مراجعة مستقلة للطاقة أو الانبعاثات، فعندها قد تنقلب المعنويات.
تتبع الأسواق في الوقت الفعلي
عزز قراراتك الاستثمارية بتحليلات الذكاء الاصطناعي والبيانات الفورية.
انضم إلى قناتنا على تيليجرام
احصل على أخبار السوق العاجلة وتحليلات الذكاء الاصطناعي وإشارات التداول فوراً عبر تيليجرام.
انضم للقناة