تجار النفط يراهنون على السلام رغم تصاعد التوترات في الشرق الأوسط
تقلبات السوق تتجاهل الحقائق الجيوسياسية
يشهد سوق النفط العالمي تبايناً غريباً، حيث يتجاهل التجار إلى حد كبير تصاعد الصراع في الشرق الأوسط. فبينما تتوسع الأعمال العدائية لتشمل ممرات الشحن الحيوية في البحر الأحمر، يظل الاتجاه السائد هو البيع على المكشوف. يعتمد هذا التوجه على افتراضات بخصوص اتفاق سلام سريع، وهو رهان قد يؤدي إلى تداعيات سوقية كبيرة. هذا الأسبوع، انخفض خام برنت القياسي إلى ما دون مستوى 80 دولاراً للبرميل، وشهد خام غرب تكساس الوسيط (WTI) انخفاضاً مشابهاً، حيث نزل إلى ما دون 75 دولاراً. جاءت هذه التحركات السعرية عقب تصريحات من الرئيس ترامب ألمحت إلى استئناف المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران. ومع ذلك، سارعت السلطات الإيرانية إلى نفي وجود أي مناقشات جارية، مما يسلط الضوء على فجوة محتملة بين التصريحات الجيوسياسية والدبلوماسية على أرض الواقع. ومما يزيد من تعقيد السرد، تفيد التقارير بأن إيران تجري مفاوضات مع سلطنة عمان بشأن السيطرة على مضيق هرمز. يبدو أن التجار قد فسروا هذا التطور على أنه أخبار سلبية إضافية للنفط، على الرغم من الدور الحاسم الذي يلعبه المضيق في عبور الطاقة العالمي. في غضون ذلك، تجبر هجمات الحوثيين اليمنيين على ناقلات النفط السعودية في البحر الأحمر موجة أخرى من إعادة توجيه صادرات النفط السعودية. يتم تحويل هذه الشحنات إلى قناة السويس وخط أنابيب أقل سعة يمتد عبر مصر إلى البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يمثل عنق زجاجة مقارنة بخط الأنابيب الرئيسي بين الشرق والغرب الذي يربط الخليج العربي بميناء ينبع على البحر الأحمر. تبدو الآثار المترتبة على قدرة الصادرات النفطية السعودية كبيرة، ومع ذلك يبدو المشاركون في السوق غير قلقين إلى حد كبير بشأن قيود الإمدادات الناشئة هذه. وإضافة إلى التوترات الإقليمية، يناقش البرلمان الإيراني حالياً مشروع قانون قد يمنع السفن من الولايات المتحدة وإسرائيل ودول أخرى مصنفة كـ "معادية" من الوصول إلى مضيق هرمز. من شأن مثل هذا الإجراء أن يعيق بلا شك التدفق الحر لناقلات الطاقة ولا يفعل الكثير لتعزيز آفاق السلام بين طهران وواشنطن.
تحول في تركيز السوق
ومع ذلك، يبدو أن التطورات الأخيرة قد لفتت أخيراً انتباه التجار. بحلول يوم الجمعة، أظهرت أسعار النفط اتجاهاً صعودياً، مما يعكس القلق المتزايد بشأن الاضطرابات المحتملة المطولة لحركة الناقلات في مضيق هرمز. من الضروري أن نتذكر أنه قبل التصعيد الأخير، كانت هذه الممرات المائية الحيوية مسؤولة عن حوالي خُمس تجارة النفط والغاز العالمية. يقدم هذا الوضع تبايناً فريداً عن أزمات النفط التاريخية. عادةً، كانت أسعار العقود الآجلة تتفاعل بشكل مباشر مع الأحداث الملموسة بدلاً من الآمال المضاربية. تعد طفرة أسعار النفط في عام 2022، الناجمة عن العقوبات الغربية على روسيا، مثالاً رئيسياً. في ذلك الوقت، تم استقبال التهديد المتصور لتدفقات النفط العالمية، مع كون روسيا واحدة من أكبر ثلاث مصدري، بتوقع سوقي بأن النفط، مثل الماء، سيجد طريقه. وبينما غالباً ما يكون هذا الصمود صحيحاً، فإن البيئة الحالية تنطوي على تدمير مباشر للإمدادات، وهو عامل يتجاهله العديد من التجار. أفادت وكالة الطاقة الدولية في أحدث تقرير شهري لها عن سوق النفط أن الإنتاج العالمي للنفط في يوليو/تموز فاق مستويات ما قبل الحرب بفارق كبير بلغ 9.4 مليون برميل يومياً. ظهر هذا الرقم على الرغم من انتعاش ملحوظ بأكثر من 4 ملايين برميل يومياً في يونيو/حزيران، والذي جاء عقب اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران ثبت أنه قصير الأجل. كما أشارت وكالة الطاقة الدولية في تقرير منفصل إلى أن ما يقرب من 3 ملايين برميل يومياً من الطاقة التكريرية الإقليمية قد تم إيقافها بسبب الهجمات وعدم وجود طرق تصدير مجدية، مما يعقد بشكل كبير مشهد المنتجات المكررة العالمية. علاوة على ذلك، انخفضت مخزونات النفط الخام في منطقة الخليج عقب تدفق النفط الذي شحنته دول الخليج بعد اتفاق وقف إطلاق النار في يونيو/حزيران. يشكل هذا النقص خطراً، مما قد يضخم من حدة أي صدمة مستقبلية في أسعار النفط. كان المحللون قد حذروا سابقاً من أن الأمر يستغرق عدة أشهر حتى يتجلى ضيق الإمدادات في أسواق النفط الخام ويؤثر على الأسعار. بعد خمسة أشهر من الضربات الأولية، يقترب السوق من تلك النقطة الحرجة.
قراءة ما بين السطور
على الرغم من الإشارات الواضحة للتقدم في الخطاب الدبلوماسي في الأيام الأخيرة، فإن انعدام الثقة الأساسي بين الولايات المتحدة وإيران يشير إلى أن الوضع يمكن أن يتدهور بسرعة. في الوقت الحالي، يتمثل التوقع السائد لدى بعض المحللين، مثل أولئك في ING، في أن تدفقات الطاقة ستبدأ في التطبيع خلال الربع الثالث، مما يدفعهم إلى توقع متوسط سعر لخام برنت قدره 80 دولاراً للبرميل للربع الحالي. هذه النظرة المتفائلة، على الرغم من وجودها، تبدو قائمة على أدلة واهية. ومع ذلك، تشكك مجموعة متزايدة من مراقبي السوق في أن العودة الكاملة إلى الوضع الطبيعي قبل الصراع قد لا تحدث، حتى بعد انتهاء الحرب. تشير مناقشات إيران حول رسوم عبور السفن لمضيق هرمز وإمكانية الإدارة المشتركة مع عمان إلى مستقبل ستعمل فيه تدفقات النفط في الشرق الأوسط في ظل ظروف متغيرة. في انتظار إنشاء بنية تحتية بديلة لخطوط الأنابيب، من المرجح أن تحافظ هذه التغييرات الهيكلية على مستويات أسعار أعلى للنفط. إن انفصال السوق الحالي عن حقائق العرض المادية، مدفوعاً بالمضاربة على حل دبلوماسي سريع، يمثل خطراً كبيراً. توضح بيانات وكالة الطاقة الدولية بشكل صارخ العجز في الإنتاج العالمي والقدرة التكريرية. إن احتمالية تجدد التوترات أو فشل الجهود الدبلوماسية يمكن أن تؤدي إلى تصحيح حاد وشديد في الأسعار صعوداً، مما يفاجئ الكثيرين الذين قيموا العودة السريعة إلى الوضع الطبيعي.
تتبع الأسواق في الوقت الفعلي
عزز قراراتك الاستثمارية بتحليلات الذكاء الاصطناعي والبيانات الفورية.
انضم إلى قناتنا على تيليجرام
احصل على أخبار السوق العاجلة وتحليلات الذكاء الاصطناعي وإشارات التداول فوراً عبر تيليجرام.
انضم للقناة
