إنتاج النفط لمنظمة أوبك يهوي إلى أدنى مستوى منذ عام 2000 وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية
هبوط تاريخي في إنتاج أوبك وسط حرب مفتوحة
يُعدّ الانخفاض الأخير في إنتاج النفط الخام لأعضاء منظمة أوبك صادمًا حتى بمعايير تاريخية. فقد انهارت مستويات الإنتاج إلى 16.13 مليون برميل يوميًا في شهر مايو، وهو أدنى مستوى يُسجل منذ عام 2000. وما يزيد من مفاجأة هذا الرقم هو سياقه؛ إذ إنه أقل حتى من مستويات الإنتاج التي تم تسجيلها خلال فترة إغلاقات كوفيد-19 في عام 2020، والتي نجمت عن انهيار الطلب بسبب تلك الإغلاقات. لكن هذه المرة، لا يتعلق الأمر بانهيار الطلب، بل بالحرب وتأثيراتها المباشرة على سلاسل الإمداد.
وتشير البيانات إلى ملاحظة هيكلية هامة: استثنى الرقم المسجل لشهر مايو دولة الإمارات العربية المتحدة، التي انسحبت رسميًا من منظمة أوبك في 1 مايو. هذا الانسحاب أدى إلى إزالة حجم إنتاج مؤثر من الأرقام الإجمالية المعلنة، لكن الضرر الأساسي الذي لحق ببقية الأعضاء حقيقي وجوهري.
العراق وإيران في قلب الاضطرابات. وفنزويلا ونيجيريا تستفيدان
تُظهر بيانات مسح شهر مايو نقطة بيانات دراماتيكية تتعلق بالعراق. فقد شهد حقله الجنوبي خسارة 70% من قدرته الإنتاجية منذ بدء الحملة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. ففي حين كان العراق ينتج حوالي 4.3 مليون برميل يوميًا قبل اندلاع الحرب، انخفض إنتاجه الآن إلى 1.3 مليون برميل يوميًا فقط، مما يعني عجزًا يوميًا قدره ثلاثة ملايين برميل من دولة واحدة.
تقع إيران في بؤرة الاضطراب. فقد انخفضت صادرات النفط من طهران إلى أدنى مستوياتها في ست سنوات، مدفوعة بحصار بحري أمريكي فرض ردًا على إغلاق إيران لمضيق هرمز. لم يقتصر تأثير إغلاق المضيق على إيران وحدها، بل امتد ليشمل دول الخليج الأخرى التي تعتمد بنيتها التحتية للتصدير على حرية الحركة عبر المضيق، مما عمّق العجز الجماعي في إنتاج أوبك عبر المنطقة.
في المقابل، لم تتأثر جميع دول أوبك سلبًا. فقد شهد منتجو المنظمة في نصف الكرة الغربي، والذين تقع جغرافيًا بعيدًا عن صراع الشرق الأوسط، توسعًا هادئًا في إنتاجهم. فقد صدرت فنزويلا ما يقدر بنحو 1.25 مليون برميل يوميًا في مايو، بزيادة قدرها 0.7% عن شهر أبريل. والمثير للاهتمام أن هذا الرقم يمثل قفزة بنسبة 61% مقارنة بنفس الشهر من عام 2025. بالنسبة لدولة عانت سنوات من التراجع بسبب العقوبات، فإن هذا الانتعاش يُعدّ كبيرًا. كما سجلت نيجيريا إنتاجًا بلغ 1.66 مليون برميل يوميًا من النفط والمكثفات في مايو، حيث وصل إنتاج النفط الخام وحده إلى 1.49 مليون برميل يوميًا، مما يضعها ضمن حصتها المقررة في إطار أوبك+. تمثل هاتان الدولتان بصيصي أمل نادرين في صورة تهيمن عليها الخسائر.
حصص الإنتاج النظرية مقابل الواقع الميداني
صوّتت مجموعة أوبك+ في وقت سابق من هذا الشهر على زيادة حصتها الإنتاجية الإجمالية بمقدار 188,000 برميل يوميًا لشهر يوليو. ومنذ أبريل، أضافت المجموعة 600,000 برميل يوميًا إلى سقفها المعتمد. الهدف واضح، لكن التنفيذ هو المشكلة. لا يزال الإنتاج الفعلي عبر المنظمة مقيدًا بالواقع المادي؛ حيث تتعرض خطوط الأنابيب للاضطراب، وتعمل محطات التصدير بطاقة منخفضة، والحرب لا تبدو أنها ستنتهي قريبًا. قرارات الحصص تعكس ما تريد المجموعة إنتاجه، بينما تعكس بيانات مايو ما يمكنها إنتاجه فعليًا.
تأثيرات متتالية على الأسواق العالمية
لا يقتصر تأثير اضطراب الإمدادات بهذا الحجم على أسعار النفط الخام القياسية فحسب. يجب على المتداولين والمستثمرين تتبع عدة ديناميكيات مترابطة مع تطور هذا الوضع:
- عقود برنت وخام غرب تكساس الوسيط (WTI): تحمل هذه العقود علاوة مخاطر مرتبطة بالحرب، والتي ستتغير مع أي أخبار تتعلق باتجاه الصراع. أي انفراج دبلوماسي وإعادة فتح للمضيق قد يؤدي إلى انعكاس حاد في الأسعار؛ بينما قد يؤدي المزيد من التصعيد ليشمل منتجين إضافيين في الخليج إلى توسيع فجوة العرض ورفع الأسعار.
- الدولار الكندي (USD/CAD): يرتبط الدولار الكندي بعلاقة إيجابية موثقة مع أسعار النفط. ويمكن أن يوفر استمرار أزمة الإمدادات بهذا المستوى دعمًا هيكليًا للدولار الكندي مقابل الدولار الأمريكي.
- أسهم الطاقة: المنتجون خارج منطقة الصراع، بما في ذلك شركات النفط الصخري الأمريكية وشركات التنقيب في بحر الشمال، سيستفيدون من بيئة الأسعار المرتفعة بينما يظل المنافسون في منطقة الخليج مقيدين.
- توقعات التضخم: تتغذى أسعار النفط الخام مباشرة على بيانات مؤشر أسعار المستهلكين. وقد يؤدي استمرار ارتفاع الأسعار إلى تعقيد مسار خفض أسعار الفائدة أمام الاحتياطي الفيدرالي (Fed) والبنك المركزي الأوروبي (ECB) وبنوك مركزية رئيسية أخرى.
- الذهب (XAUUSD): التوترات الجيوسياسية بهذا الحجم تعزز تاريخيًا الطلب على الملاذات الآمنة. وحتى ظهور إشارة واضحة لخفض التصعيد، سيظل الذهب مدعومًا بهذه الخلفية للصراع.
المتغير الحاسم الذي يجب مراقبته هو الدبلوماسي، وليس الاقتصادي. فإشارات وقف إطلاق النار ستؤدي إلى إعادة تسعير علاوة مخاطر النفط بسرعة. وفي غياب تلك الإشارات، ستبقى الفجوة بين حصص أوبك المعلنة وكميات البراميل الفعلية أحد السمات المميزة لسوق النفط خلال النصف الثاني من عام 2026.
تتبع الأسواق في الوقت الفعلي
عزز قراراتك الاستثمارية بتحليلات الذكاء الاصطناعي والبيانات الفورية.
انضم إلى قناتنا على تيليجرام
احصل على أخبار السوق العاجلة وتحليلات الذكاء الاصطناعي وإشارات التداول فوراً عبر تيليجرام.
انضم للقناة
